(مشهد من فيلم الموجة يظهر فيه المعلم وأتباع أوتوقراطيته الجديدة في ألمانيا 2008)
في فيلم ألماني بإسم Die Welle - أو الموجة - تدور الأحداث حول معلم في مدرسة ثانوية بإحدى البلدات النائية في ألمانيا يتم تكليفه بالإشراف على مشروع طلابي تفاعلي - يمتد لإسبوع واحد فقط - يهدف لرفع مستوى الوعي السياسي بين الطلبة عبر مناقشة موضوع أو مفهوم سياسي ما تتولى إدارة المدرسة تحديده مسبقاً، وعلى الرغم من إيمان المعلم الشخصي بمبادئ اللاسلطوية - Anarchism - إلا إنه يُكَلّف - رغم محاولاته الحثيثة والمتكررة تغيير محور المشروع - بمناقشة مفهوم الأوتوقراطية*، لكن ما أن يكشف المعلم لطلبته عن موضوع مشروعهم الخاص إلا وتتعالى من بينهم عبارات السخريه والتذمر والإستهجان بررها البعض منهم بعدم إقتناعهم بالجدوى أو الفائدة من وراء مناقشة مفهوم نظام سياسي إستبدادي بائد بات مرفوض منطقياً وإنسانياً، بينما فسرها البعض الآخر بأنها نابعة من إيمان أغلبية الألمان بإستحالة قبولهم أو سماحهم عودة نظام أوتوقراطي دكتاتوري في ألمانيا الحديثة وهي التي شهد تاريخها ولادة أشهر الأنظمة الأوتوقراطية القمعية في التاريخ البشري وأكثرها ذِكراً وتطرقاً. لكن خلال أقل من سبعة أيام، وفي نفس الفصل الدراسي في تلك البلدة النائية، ينجح المعلم في إعادة إحياء أول منظومة أوتوقراطية منظمة منذ الحرب العالمية الثانية... في ألمانيا 2008!
حبن نعيد قراءة الحقبة النازية من التاريخ الألماني فإنه من البديهي لنا أن نتساءل عن السبب وراء صمت الشعب الألماني بعلمائه وعقوله ومفكريه ومثقفيه تجاه ما كان يرتكب من ممارسات عنصرية لا إنسانية. والأمر ذاته يتكرر متى ما أعدنا قراءة تاريخ جرائم التمييز العرقي أو الإثني في كل من الولايات المتحدة الأمريكية أو جنوب أفريقيا... كيف سمحت إنسانية الشعوب لأن يحدث ما حدث! وهذا شعور طبيعي نابع من إيماننا المطلق والجازم - كحال الطلبة في الفيلم - بأننا اليوم قد بتنا على بعد آلاف السنوات الضوئية من أن نكون، ولو من بعيد، جزء من سيناريو تكرار لنظام أوتوقراطي إستبدادي، ومعه يسهل لنا - بسذاجة - النأي بأنفسنا عن أي ممارسات لا إنسانية أو جرائم عنصرية، سواء كان ذلك بشكل إيجابي عن طريق المشاركة الفعلية أو بصورة سلبية عبر السكوت عن الحق، وهذا الإيمان يتولد بدوره من شعورنا بتطورنا الإنساني خاصة شقه الأخلاقي إما جرّاء إملاءات دينية أو نتاج تقدمنا التعليمي والتربوي أو لسبب أكثر بساطة يتمثل في خشيتنا تكرار أخطاء التاريخ... أو هكذا نعتقد!
(موقع إيلاف الإخباري - 16/04/2011)
إلا أنه على أرض الواقع فإننا ننسى، أو بالأحرى نتناسى، أن ما إرتكتبه الأنظمة الأتوقراطية السلطوية السابقة - وأشباهها - من جرائم وممارسات على مر العصور لطالما كانت تدخل في خانة المحرمات في قاموس البشرية والإنسانية، ولم يسبق أن إكتسبت أي منها طابعاً إيجابياً أو محبباً أو محموداً ولو بصورة مؤقتة يسهل معها تقبلها أو حتى التغاضي عنها، فالقتل والقمع والإستبداد والإضطهاد والظلم كانت ولازالت وستبقى ممارسات سلبية منذ أن قتلت إنسانية قابيل شقيقه هابيل! ما دفع بتلك الأنظمة لممارسة عمليات خداع عقول منظمة - Systematized - يتم عبرها نزع أي صفة منفرة أو سلبية أو غير إنسانية عن تلك السياسات والممارسات وإعادة تقديمها كخيارات على الطاولة بلغات أخلاقية وسياسية ووطنية أجمل وأكثر لباقة وأقل وقعاً على النفس** كـ حماية الوطن أو الدين، أو الدفاع عن الدولة والشعب، أو صون إستقرار النظام - والمقصود هنا الحس الأمني للنظام الإجتماعي لا النظام الحاكم - لجذب القبول الشعبي أو على أقل تقدير كسب التجاهل الجماعي مهما تمادت السلطة في ممارستها ضد عدو يكون في جميع الحالات مختلقاً ووهمياً لا وجود له!
هي أبيات شعرية جميلة سطّرت لهدف واحد فقط هو حماية النظم الأوتوقراطية - الحاكمة - وأشباهها... ولا شئ آخر سواها
(صحيفة الوطن الكويتية - 16/04/2011)
فاليهود لم يكونوا يوماً عدواً لألمانيا أو شعبها وإلا لَما إمتلأت عربات القطارات المتجهة إلى معسكرات العمل أو الإبادة بالشيوعيين واليساريين وكل معارض فكري وغيرهم ممن رأى فيهم هتلر تهديداً لنظامه الأوتوقراطي الفاشي، والحال نفسه ينطبق على العرقية الإفريقية في الولايات المتحدة الأمريكية أو جنوب أفريقيا خلال حقبات الفصل العنصري فيهما أو أي عرقية أخرى في غيرهما من الدول - كالبوسنة والهرسك مثلاً - التي شهدت تجارب تمييز عرقية إضطهد أو أعتقل خلالها كل من تعاطف مع أولئك الضحايا الذين شَكّل منهم أشباه الأوتوقراطيات تهديداً وطنياً لا يتعدى مخيلاتهم! وهي نفس الأسباب ذاتها التي تدفعني اليوم لأن أدرك - متأخراً وبعد ترددي الأولي وأقولها خاجلاً وآسفاً - بأن شيعة البحرين لم يكونوا أبداً عدواً أو عنصراً مهدداً لإستقرار وطنهم، وإن ما حدث - أو مازال يحدث في البحرين - لهي ثورة شعبية ضد الظلم والقهر والقمع والإستبداد لا تختلف عن مثيلاتها المشتعلة في أغلب دول المنطقة حتى في وصم السلطة الأوتوقراطية لها بصفات تخلق منها عدواً وهمياً جديداً لنظام سلطوي عريق يعتقل كل من يرى فيه تهديداً لإستمراريته بذرائع وطنية وقومية ذات وقع موسيقي على الآذان! والمخيف والمقلق هنا هو أنه وعلى الرغم من أننا في الكويت ننعم بنظام شبه ديمقراطي وسقف حرية عال بالمقاييس الإقليمية، وبالإضافة إلى حنكة سمو أمير البلاد الذي جنبنا - مشكوراً - ككويتيين أن نكون مشاركين إيجابيين وفعّالين في إطالة أمد نظام عنصري قمعي، إلا إننا بتنا ننجرف شئ فشئ لأن نكون جزءً صامتاً وسلبياً من سلطة أوتوقراطية مطلقة تابعة لدولة أجنبية! أما كخليجيين فقد أصبحنا اليوم أقرب من أي وقت مضى من خلق نظام سلطوي غير مسبوق تاريخياً وفريد من نوعه يتمثل بتحول مجلس التعاون الخليجي إلى أول مجلس أوتوقراطي إقليمي في ظل التواطؤ والخرس الشيطاني الإعلامي الخليجي الحكومي والخاص - الجزيرة والعربية - لصالح الأوتوقراطي الشقيق، بينما لانزال نتوهم بأن مبادئنا الدينية أو الإجتماعية أو الإنسانية لن تسمح لنا لأن نكون يوماً مثل ذلك الألماني "الجاهل" الذي تغاضى عمّا كان يحدث في معسكر إعتقال مجاور لمزرعته بإسم الوطنية أو ذاك الأمريكي "الكافر" الذي قَبل بألا يُسمح لأمريكي أسود ركوب حافلة مخصصة لنقل الأمركيين البيض فقط... بإسم الدين!
وكلي خشية من أن تتساءل الأجيال من بعدنا حين يعيدوا قراءة تاريخ الثورات العربية عام 2011.. كيف سمح أجدادنا وآباؤنا لأن يحدث في البحرين ما حدث!
.....
* الأوتوقراطية (Autocracy): هي شكل من أشكال الحكم، تكون فيه السلطة السياسية بيد شخص واحد بالتعيين لا بالانتخاب
** راجع قانون الوطنية الأمريكي - عام 2001 (USA Patriot Act - 2001)
(علم حزب AWB اليميني المتطرف في جنوب أفريقيا خلال حقبة الفصل العنصري ويظهر التشابه مع علم الصليب المعقوف الخاص بالحزب النازي الألماني)













































